صباح فخري , صوتٌ صافٍ كمياهِ النبع

12063773_902676169768288_5242174525782339607_n

..

 

صباح فخري ,
صوتٌ صافٍ كمياهِ النبع

 

(1)

مُنذ أن أدركَ وعينا الطرب , وتنبهت مسامعنا لهذا الفن المدهش , وحتى مطلع هذا القرن , تجلّى صوته في قلوبنا من الإذاعة إلى النقل التلفزيوني مرورًا بأشرطة الكاسيت , فيما كانت صورته على المسرح أشد صفاءً من أقرانه و أكثر نبوغًا ممن سبقوه , ترَبّت على صوتِه أجيال كثيرة بلغت ذروة المجد والنجومية , وبقى هو في مكانته الرفيعة , الأستاذ والمعلم الذي يلقي علينا دروسًا في الغناء والتطريب ويؤرجح هذا الفؤاد بآهاته , شارَك وردة الجزائرية و رفيق السبيعي و عماد فريد في التمثيل , وقدّم مجموعة من الأعمال التلفزيونية التي احتوت على أكثر من 200 أغنية حفاظًا على التراث الحلبي السوري العريق , ورغم التطوّر الذي شمل كل عناصر الغناء وثورات التجديد الموسيقي المتلاحقة التي أطاحت بالأشكال التقليدية السائدة , ظلّت موهبة الصوت والأداء محتفظة ببكارتها و لم يمسّها التغيير , ولأن صوته ومشاعره كانت تخرج من الحنجرة والقلب لم يجد غير أفئدتنا ليسكن بها بعيدًا عن شوائب الحياة !

(2)

وُلد صباح فخري ( محمد صبحي أبو قوس ) عام 1933 , كانت نشأته في بيئة علمية صوفية تركت أثرًا بالغًا في تكوين وعيه , وأكسبته خبرات جمّة في فهم الشعر والمقامات , اختزن في صدره القدود والموشحات والأذكار الصوفية  فنشأت عنده موهبة موسيقية فطرية , وقد منحه الله جمال الصوت فكان يردد هذه الألحان ويترنم بها ويسمعها إلى أقرانه الأطفال , تَدرّج في التعليم إلى أن أكمل المرحلة الابتدائية , حينها تبنت المدرسة هذا الصوتَ البديع و أطلقته في فضاء الإذاعة المدرسية وحفلاتها السنوية , ولأن صوته لَامس أطرافَ النجوم مُنذ طفولته , كان القدر في صفّه , إذ كان الموسيقار ” سامي الشوا ” في زيارة لحلب و بالصدفة استمع إلى هذا الغناء الشجي والصوت الصافي , فأخذه إلى دمشق بعد أن ملأ أزقّة حلب بصوته , ومن ثمّ اقترح عليه الانتقال إلى مصر – القاهرة – التي كانت مؤججة بنزاعات التجديد الموسيقي والملحنين الكبار أمثال – محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي – إلا أن هذا الاقتراح تزامن مع دعوة  الشاعر الجميل( فخري البارودي ) الذي تبناه فنيًا وصحبه إلى المعهد الموسيقي والإذاعة و أعطاه اسمًا فنيًا ” صباح فخري ”
.
.
وهناك طرق باب المعهد الموسيقي و استزاد من ثقافة الموسيقيين و أصبح أكثر من صبيّ هاوٍ , فقد ابتكر لنفسه أسلوبًا مغايرًا في الغناء الدارج وقتها , وتبنى الغناء الأصيل وساعده صوته على سلوك هذا الدرب لأنه يحتاج إلى حنجرة صافية وقوية وصوت مرن يؤدي هذي الإيقاعات الموسيقية بدون تكلف أو عناء.

(3)

منذ نهاية الأربعينات , ولأكثر من عشر سنوات , ابتعد صباح فخري عن الغناء , وفضّل استكمال تعليمه المدرسي و الاستزادة الثقافية من المشايخ والعلماء في حفظ النصوص الدينية والملوحات الشعرية والصوفية , إلى أشرعت نوافذ العام 1960 أبوابها , والتي كانت نقطة تحوّل في مساره الفني , ففي هذي السنة .. افتتح التلفزيون السوري بثّه الأول , وأخذ يؤثث السهرات والمسارح التلفزيونية , مُقدّما ثُلّة من الفنانين الكِبار و الشباب , وكان صباح فخري حاضرًا في عدد من تلك السهرات الغنائية والتي فتحت له آفاق الشهرة في العالم العربي بشكل أوسع , ولما كانت الموسيقى العربية تتأهّب للتجديد و إضافة الآلات الغربية في إطارٍ شرقي , تمسّك صباح فخري بالغناء الأصيل و اقتنع بحكم تجربته وتمكنه بأن الفن رسالة و أن تلك الرسالة تستهدف فِكر المواطن العربي , وقد تنقل الثقافة العربية بصورتها التراثية الصادقة إلى شتى بقاع العالم . فقدّم على مسارح دمشق الموشحات الأندلسية وتراث سيد درويش وقصائد المتنبي وأحمد رامي وغيرهم , وشارك في عدّة جولات غنائية في جميع أنحاء العالم , لم يرتكن للتمثيل السينمائي ولم يقدّم دور الرجل الوسيم العاطفي , بل إنه اكتفى في البداية بالمشاركة الغنائية في أعمال قليلة خلفَ وردة الجزائرية في مسلسل ” الوادي الكبير ” ومن ألحان : بليغ حمدي , ومسلسل أسماء الله الحسنى , فيما بعد ذهب إلى أبعد من تقديم السهرات , فقام بتوثيق وتخليد تلك الأعمال الغنائية والموشحات والفلكلور الشعبي وذلك من خلال مشاركته في مسلسل تلفزيوني بديع جدًا ( نغم الأمس ) , حيث أفرد إبداعاته الصوتية , وقام بتخصيص لكل مقام موسيقي عدة مقطوعات غنائية خالدة , وسجّل أكثر من 150 أغنية , جعلت منه سيدّا للطرب و أطلق عليه حينها – الحارس الأمين للغناء الأصيل , من تلك الأعمال : قل للمليحة , الهجر ليه , زوروني كل سنة مرة , وفي النصف الثاني من الستينات حقق أكبر رقمٍ قياسي في الغناء المتواصل ولمدة تزيد عن العشر ساعات  وذلك حين أقامَ حفلًا في فنزويلا – المُدهش ليس في وقوفهِ شامخًا على المسرح لساعاتٍ طويلة بل في تواصل الجمهور معه دون أن يملّ .
.
.
إنّ انحناء صباح فخري منذ بداياته إلى التواشيح والأعمال التي تُعبر عن تاريخنا الأدبي والفني و الّتي تشترط حسن الأداء خوّل له أن يكون من المطربين الّذين حفروا أسماءهم في ذاكرة التاريخ ، وهذه الميزة تعود إلى تكوينه الموسيقي السّليم إضافة إلى الموهبة الفائقة الّتي يملكها.

(4)

يَمتدُ خطّ العمر وتتوالى المشاهد وتقسو الحياة , وتلقى العيون العبرات وترتدي الشهرة معطف الشيخوخة وعصا الكِبر فيبدو وحيدًا في مجلسه , لكّن قلوب المستمعين ما زالت صافية حوله وصوته الذي يغسلنا و يعطر ذاكرتنا لا ينقطع إبداعه وتوهجه , صباح فخري – رحلة متواصلة من الحب والفن والغناء الجميل امتدت منذ منتصف القرن الماضي حتى العقد الأول من الألفية الثالثة , ظلّ يغني ويغني و يغني رغم تخطيه السبعين , فكان نهرَ إبداعه يفيض كالشلال , كان بارعًا في سلطنة المستمعين ومعرفة ما يحبونه .
.
.
علينا شُكر هذا الفنان الكبير لما قدّمه خلال مسيرته ولحفظه للتراث , إنني
لم آتِ هنا لأكتب عن تاريخه الشامل أو مواقفه النادرة و آرائه , فلن أستطيع أن أقدم خلال الكتابة ما يليق بتاريخه الزاخر بالأعمال العظيمة , كل ما أستطيع فعله هو أن أكتب بما في قلبي عن شخصٍ أحبّه للأبد .
.
.
.
شكرًا لكَ صديقي العظيم .

.
.

جدة – مطار الملك عبد العزيز
الاثنين 21\9\2015

الإعلانات

قصة قصيرة ( الحي الشعبي )

الحي الشعبي

 البيوت المتشابكة بعشوائية تلك التي تظهر التقشف , إذ تعيش على الأسمنت المغشوش وبقايا تراثٍ من طين .. الطرقاتُ التي تشرب أكثرَ من ساكنيها إذ تغسلها بقايا الغسيلِ المنزلي , و أحاديث الأزقةِ التي تفوحُ كرذاذٍ مرةً بالسُم وأخرى بالعِطر , والأجسادُ المهترئة من لا ترى الترفَ إلا حُلما , وقد يكون الحُلم لمثلها كابوسا , معالمُ الحيّ الشعبيّ تبقى محفورةً في ذاكرتها التي توقفت عن الحفظ منذ زمنٍ لانعدام الرؤية , ومع ذلك ليلى العجوز العمياء تبقى وكالة نشرٍ للأخبار ينتظرها البسطاء هناك في زياراتها اليومية.
***
كسرةُ الخبزِ التي يفتقد شكلها الكثير لم تغادر مائدة الخالة ليلى يوماً إذ حق لها أن تأخذ من كل بيت ما تشاء , فهي الأم وهي الروح , وهي الغذاء المشبع لرغبة (اللقافة) التي تعتري الجارات لمعرفة أخبار بعضهن عن طريق الخالة ليلى , يتسابقُ أطفال القرية للإمساكِ بعصاها إذ تنشد للأطفال وهُم في الطريق لبيتها (وصّلني وروِّح نام و ح يذبحوا لك طيور حمام ) , توصيلها كنظام التاكسي مقابل أجرةٍ فوريه استحقاقها آجل , دعوةٌ مباركة من عجوزٍ رضي الله عن صلاتها وكرسيّها الذي لم يغادر القبلة .
***
تسارع فتيات الحيّ بالتجمُل لحضورها رغم انطفاء بصرها , فهي الخاطبة الوحيدة في القرية , تتحسسُ الجسدَ ومعالمَ الوجه فتصفها لخاطبها كما لو أحضرَت نسخة فوتوغرافية عن وجهها , ولم تخطيء في ذلك يوماً , إلا حين خدعتها إحدى نساء الحيّ إذ أحضرَت ابنتها الجميلة المتزوجة لتقرأ الخالة ليلى معالمها فتصفها للخاطبِ القادم حتى يضمنوا النصيب للعانسِ المركونةِ لديهم , وحين اكتشفت ذلك عُوقبت الأمُ وابنتها بالعنوسة الأبدية وحرمانها من زيارات الخالة أو الحديث معها.
***
الصُلحُ بين النساء عادةٌ تطلق ابتسامتها الساخرة حين عداءتهن لبعضهن , محزنٌ مضحكٌ خصام الفقراء هكذا كانت تقول , فلا مال يفرقهم ولا جوع يجمعهم , فقط خصامهم لاجتثاث كآبة الحياة.
صدقُها , تقاها , حامد ابن ابنتها اليتيم الذي أحسنت تربيته ليصبح إماماً للمسجد , وبيتها على مدخل الحيّ أبقتها رمزاً تشتم عبقه في كلِ شخصٍ عاش هناك كما لو كان كل الحي معجونا من طينتها .
ليلةَ فارقت كانت أكثرَ استغفاراً من تناقلِ الحديث كما لو كانت ترى الجموع الذاكرة لمحاسنها حول اللحد.

27\6\2012

ناظم الغزالي، صوتُ النخيل الحزين

11421558_854379884597917_185210154_n

ناظم الغزالي ، صوت النخيل الحزين

(1)
ولد تاظم الغزالي في زُقاق ضيق في منطقة الحيدرخانه في بغداد , أجبرته ظروف الفقر للابتعاد عن المعهد , لكنها لم تمنعه من تمرير يديه على الكتب و القراءة , و الاستماع إلى أغاني السيدة أم كلثوم و محمد عبدالوهاب , الأمر الذي دفعه للاجتهاد وتطوير نفسِه فنيًا وفكريًا , إذ عاد بعدها إلى المعهد ليقطفَ أعلى الدرجات .. أما في مجال الثقافة و الاطلاع فقد امتاز عن زملائه برؤيته المختلفة و ثقافته العالية جدًا , تلك التي ظهرت جليًا في مطلع الخمسينات حين بدأ بنشر سلسلة مقالات عن ” أشهر المغنين العرب ” بلغة صافية كمياه نبعٍ وسيم ..
.
.
(2)
و في مطلع الأربعينات عادَ مرةً أخرى إلى المعهد للمشاركة في مسرحية ” مجنون ليلى ” والتي قدّمَ فيها أولى أغنياته الفردية – هلا هلا – تلك التي أطلقته في فضاءِ الفن , ليتركَ حينها التمثيل المسرحي و يتفرغ للموسيقى التي أحبها , و في عام 1948 سافر ناظم للمرة الأولى خارج العراق , وكانت فلسطين هي أولى محطاته، إذ ذهب مع الوفد الفني للدعم المعنوي وشحذ همة الجيش العراقي والجيوش العربية المتواجدة في فلسطين لمحاربة إسرائيل , ومن هُناك عبرت أغنياته الحدود و سافرت إلى كُل الدول , قام ناظم الغزالي بالخروج من القالب الغنائي التقليدي إلى الأغنية الجديدة , فأنتشرت العديد منها إلى العالم العربي , الأمر الذي دفع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب أن يطلب من شركة “كايروفون” أن تنتج لناظم عددًا من الأسطوانات يضع بنفسه ألحانها، وكاد المشروع الكبير يتم لو لم يمت . . .

(3)
عام 1963 م كان مزدهرًا وفاجعًا بالنسبة لناظم الغزالي ! ، في تلك الفترة سجل مُعظم أغنياته بأسلوبه الفذ في تلفزيون الكويت , وهو التسجيل الأجمل الذي قدمه خلال مسيرته الموسيقى و الأكثر طربًا , وذلك قبل أن ينهي حياته القصيرة عندما قطعت إذاعة العراق برامجها في شهر أكتوبر لتعلن للملأ خبر وفاة ناظم الغزالي العائد قبل يوم برا من بيروت ! , فرددت الشوارع و الممرات بصوتٍ واحد ( مات ناظم الغزالي) واندفعت الحشود لتشيعه بحزن عميق ..

شأريد أقدم لك هدية
https://soundcloud.com/mohannad-kamli/o7vykee6j386?in

على جسر المسيّب
https://soundcloud.com/mohannad-kamli/wflgadj5gvpt?in

طالعة من بيت أبوها
https://soundcloud.com/mohannad-kamli/86ks9c0jpjpq

فوق إلنا خل
https://soundcloud.com/ahmed1nasser/foq-al-n5l

لو حكينا يا حبيبي .. نبتدي منين الحكاية

11282108_850566861645886_1577328551_n

( لو حكينا يا حبيبي .. نبتدي منين الحكاية ) 

( طفولة )
ولد عبد الحليم شبانه عام 1929 , في قرية الحلوات ” الزقازيق ” وفي حال ولادته توفيت ” والدته ” وبعد أشهرٍ قليلة توفي أباه , فكان على الأسرة الصغيرة أن تستظل في منزلِ خالهم وتعيش في كنفه , الأمر الذي دعا زوجة الخال إلى الشكوى الدائمة والتي كانت لا تحب أن ترى هذا الطفل المنحوس ” حليم , ولذا همست لزوجها أن يرسل هذا الطفل ( جالب النحس ) إلى الملجأ و ألا يعود مجددًا , وهناك كان التعليم يشمل المستوى الابتدائي ودروس الموسيقى , وفي كل صباح كان الأطفال يقفون في صفٍ واحدٍ للتلويح و يرددون نشيدًا للملك الصغير فاروق ” ملك مصر و السودان ” , وفي تلك الزاوية الصغيرة يقف صبيان ” الأول – أحمد فؤاد نجم ” كان يستمع إلى النشيد بكل سخرية و ملامحه الصغيرة تشي بما سوف يكونه في المستقبل ” و الآخر – عبد الحليم ” يستمع إليها ويتحسس رنين تلك الآلات الوترية البديعة , قضى حليم في الملجأ ما يقارب الـ 8 سنوات , افترق بعدها الاثنان طويلًا دون لقاءٍ آخر , ما عدا لقاءٍ خفيف كان من إعداد ” يوسف شاهين المخرج ” الذي ابتكرَ نصًا سينمائيًا جميلًا يلعب فيه العندليب دور البطولة بجوار سعاد حسني , ويكون فيه منافسًا للبطل الثاني مطرب البسطاء و الثورة ” الشيخ إمام ” وصديقه نجم , و لكن الرفض و تعطيل سير الفيلم أتى من ناحية عبد الحليم الذي تمنّع من العمل أمام ” الشيخ و نجم ” وكان ذلك بعد عرض فيلم أبي فوق الشجرة عام 1969 م .

* جِئتُ لا أعلم من أين
* دارت الأيام

10533126_921881917837440_2298696780297883747_n

( الفتى الأسمر على المسرح )

في عمر ال13 التحق عبد الحليم بمعهد الموسيقى ” قسم الآلات ” ليتعلم العزف على الآلة الجديدة في تلك الفترة ” الأبوا , و من المفارقات المضحكة أنه زامل الملحن الكبير ( كمال الطويل ) والذي التحق بقسم الأصوات ليصبح مطربًا و انعكس فيما بعد الحال و أصبح حليم المغنى الأول و كمال ملحنًا كبيرًا , تخرج حليم من المعهد ” الأول على دفعته ” ثم اختار العمل كمدرسٍ للموسيقى وبعد 3 سنوات ترك التدريس بعد أن كانَ يتغيّب عن الحضور لأمور خاصة به , وقد كان يرى نفسه مطربًا في المسارح أكثر من معلم , لهذا قام مدير المدرسة بطرده ورفع شكوى ضده ليُمنع وقتها من ممارسة التدريس وكان ذلك عام 1951 , وبعد سنوات من شهرة العندليب التقى صدفة بمدير المدرسة الذي قال  ” شفت إزاي كان عندي بُعد نظر لما فصلتك ! ” , في مطلع الخمسينات التقى بـ حافظ عبدالوهاب في مبنى الإذاعة الذي اقترحَ عليه أن يقوم بتغيير اسمه إلى ( عبد الحليم حافظ ) و السبب هو : أن أخاه ( إسماعيل شبابه ) كان مطربًا شبه معروف في الإذاعة ولذا حاول التفريق بينهما لينطلق العندليب وحيدًا في تلك الرحلة ! , الشيء الذي لا يعرفه الكثيرون أن عبد الحليم قبل أن تلمع شهرته قام بالغناء في 4 أفلام عام 1951-1952 دون الظهور فيها أبدًا , و في تلك الفترة التقى بصديقه الذي سيشاركه أيضًا رحلة الكفاح الطويلة ( محمد الموجي ) والذي كان يغني في الكازينوهات أغنية ” صافيني مرة ” و قد أعجب عبد الحليم بلحن الأغنية , و أبدى الموجي اندهاشه من صوت حليم , و في الإسكندرية اعتلى مسرح الشاطئ ليغني ( صافيني مرة ) من ألحان الموجي , الذي قوبل بالاستهجان من الجمهور و رميه بالمأكولات و الفواكه .. ورغم ذلك لم يهتز إيمانه بنفسه ولا بصديقه الموجي , بل مضى في طريقه غير آبه بقلق المرحلة , ولا بالتحديات , وفي العام 1953 في يونيو – حفلات الثورة ” الأولى ” والتي حضرها الرئيس و الجيش , و قدمها يوسف وهبي , كان على صباح أن تغني وصلتها بعد ” شادية ” لكنها تأخرت بعض الشيء , و كان عبد الحليم حافظ حاضرًا بفرقته الماسية على أمل أن يغني رغم أنه لم يتلقَ أي دعوة للحضور , و لأن صباح قد تأخرت وكان على أي شخص أن يغطي غيابها القليل , نهض عبد الحليم إلى يوسف وهبي وقال له : عاوز أغني وعندي فرقتي جاهزة , رد عليه : ما هي الأغنية ؟ , أجاب : على قد الشوق و صافيني مرة ” ومن هنا كانت البداية ليصبح حينها الصوت المعبر عن الشعب و الثورة و العشاق .

صافيني مرة ( كوبليه اسأل نجوم )
على قد الشوق

11272217_850566854979220_530243313_n

( النجومية )

بدأ نجم حليم بالصعود , وذلك بعد أن قطف قلوب المستمعين , وحصل على موافقة من لجنة الاستماع التي كانت تتضمن وجود محمد عبد الوهاب و أم كلثوم , وكان حليم ومن معه من فرسان المرحلة الجديدة من الشعراء والملحنين  يمضون في مسيرة مغايرة للفن الغنائي و الموسيقي , كان الغناء قبل عبد الحليم حافظ ذلك الفن الصعب و العالي جدًا والذي لا يستطيع إنشاده سوى الكبار و من لديه القدرة في المواويل الصعبة و الألحان الثقيلة , كان عبد الحليم يرى بأن عليه تبسيط الغناء ليتناسب مع الشعب و ليس فقط لأصحاب الذائقة النخبوية , حلقّ حليم نجمًا في سماء الفن و آلف الظلام و سكن إلى الليل , وفي العام 1955 قدّم 4 أفلام هي ( أيامنا الحلوة – لحن الوفاء – أيام وليالي – ليالي الحب ) وجميعها نجحت بشكل مُلفت و احتل اسمه مساحةً واسعة في الصحف و المجلات , وبدأت تنهال عليه العقود و الأفلام , فيلم أيامنا الحلوة تم تصنيفه كأول فيلم شبابي مصري و كان من بطولة ” فاتن حمامة – عمر الشريف – أحمد رمزي ” و قد أثنى عليه النقاد كثيرًا و دخل ضمن أهم مئة فيلم مصري , ومن الأغاني الجميلة في الفيلم ” يا قلبي خبي ” من ألحان الموجي , الذي أسند إليه اللحن لكنه كان متثاقلًا بعض الشيء , وفي موعد التصوير كان عبد الحليم يترجى الموجي بأن يسرع في اللحن لكن المخرج باغتها و سأل الموجي هل اللحن جاهز ؟ فأجابه : نعم , فرد عليه المخرج : ممكن تسمعني !! , وكانت تلك تجربة حقيقة و محنة , لكن الموجي كان مذهلًا , فأمسك العود وقال : يا قلبي خبي لا يبان عليا , ووضع اللحن ” ارتجالًا ” و حفظه حليم في نفس اللحظة , وخرجا لتسجيله دون علم المخرج أن الموجي قد وضعه للتو ! .
أما فيلم ” لحن الوفاء ” فكان ناجحًا أيضًا و قد أدخل فيه حليم أغنية ” على قد الشوق ” التي لحنها كمال الطويل , و تقاسم الغناء مع شادية في أغنية ( تعالى أقولك – احتار خيالي ) للمرة الأولى التي أصبحت صديقته المقربة , أما فيلمي ” أيام وليالي – ليالي الحب ” فكانا من إنتاج ” محمد عبد الوهاب ” الذي اشترط على حليم أن ينتجها لكن أن يقوم هو بتلحين جميع أغانِ , وافق حليم , وقد محمد عبدالوهاب أغنية ” توبة ” كأول أغنية لحنها للعندليب , وبعدها بحث عن لحن خفيف و كان ” أنا لك على طول ” وفي أول ظهر لأغنية توبة قبل الفيلم كنوع من الترويج قام عبدالحليم بأدائها في حفلٍ عام و قال : ديلوقتي توبة , رد الجمهور بسخرية : هوَ انت بديت تغني حتى تتوب ؟ ” ونجح الثنائي عبد الوهاب و حليم , وبعدها أصبحا شريكين في شركة ” صوت الفن ” وفي عام 1956 أطلق الشاعر كامل الشناوي على عبد الحليم لقب ” العندليب الأسمر ” , تميزت هذي الفترة بالأغاني القصيرة العاطفية و الحزينة أحيانًا , و استمر حليم تقديم الأفلام الناجحة ..
.
.
استمر حليم في تقديم الأفلام الناجحة ” موعد غرام مع فاتن حمامة ” فتى أحلامي  مع النابلسي ” بنات اليوم مع ماجدة ” و ” الوسادة الخالية ” مع لبنى عبدالعزيز المقتبس من رواية ” إحسان عبدالقدوس ” وقد تجلى حليم ممثلًا متقمصًا لشخصية ( صلاح ) والتي يراها البعض كواحدة من أجمل الشخصيات العاطفية في تاريخ السينما , وهنا التقى ببليع حمدي للمرة الأولى في أغنية ” تخونوه ” كان بليغ قد لحنها لتغنيها ليلى مراد التي تنازلت عنها لحليم , وطلب منه السماح له بإدخالها ضمن أغان الفيلم , ولاقت الأغنية نجاحًا كبيرًا مما جعل حليم يستعين ببليغ مرة أخرى في فيلم ” فتى أحلامي ” ليقوم بتلحين أغنية خسارة خسارة , ومن ثم التقى مع ” صباح ” في فيلم ( شارع الحب ) و فيلم ( حكاية حب ) مع مريم فخر الدين .. وقد شاع هذان الفيلمان بشكل كبير و انتشرت الأغاني التي صدح بها العندليب ” حبك نار – بتلوموني ليه – بحلم بيك – نعم يا حبيبي – قولوا له – وغيرها ” و في العام 1960 قدّم فيلمًا خفيفة من كتابة ” إحسان عبدالقدوس ” ( البنات والصيف ) أمام سعاد حسني التي تعلّق بها فيما بعد , و عاد مرة أخرى للعمل مع بليغ حمدي في عدة أغنيات تجلّت في فيلم ( يوم من عمري ) أمام زبيدة ثروت , أما فيلمه الأجمل ( الخطايا ) أمام نادية لطفي و حسن يوسف , هو أحد أهم الأفلام الكلاسيكية والتي نضج فيها حليم أداءً و صوتًا , فقدم مشهدًا هو الأكثر شهرة في تاريخ السينما وكان ذلك أمام عماد حمدي الذي صفعه في ذلك المشهد لتسقط بعض ” ضروس ” حليم , ويثور الجمهور ساعتها على الممثل ” عماد حمدي ” الذي قل نتاجه السينمائي بعدها ليعود من جديد مع العندليب في فيلمه الأخير ” أبي فوق الشجرة ” وفي مشهد المواجهة قال له حليم : اصفعني , رد عماد : عاوز الجمهور تقطع عيشي ؟ “

* لا تلمني
* توبة
* أنا لك على طول
* احتار خيالي
* يا قلبي خبي
* أهواك
* ظلموه

Abdel-Halim-Hafez-in-the-hospital

( المرض )

قدم في العام 1956 أول فيلم عربي ” بالألوان ” و في ذلك العام التقى بمرض ” البلهارسيا ” ويا له من ضيفٍ ثقيل لازمه طِوال حياته , وهذا المرض الذي أصاب كبده , حدثت أولى النوبات حينما كان يقوم بتصوير فيلم دليلة مع شادية , الأمر الذي جعله يجري عمليه مستعجلة لتقليل كمية الدم في تلك المنطقة المتضررة وقد منحته هذي العملية استراحة قصيرة , وفي العام 1970 نزف حليم و نقل إلى المستشفى حيث نقلت إليه زجاجه دم ” مليئة بالفايروسات ” التي أودت بهِ ميتًا بعد 7 سنوات , لقد عانى هذا الفنان الذي قيل بأنه كان يبالغ في مرضه , وهو الذي لم يكن في حاجته ؛ لأن حب الجماهير كان أكبر من تلك الرغبة العقيمة , لقد غيّر المرض من سير حياته وعاداته اليومية , فكان يسهر الليل بطوله ويمارس فيه نشاطه المعتاد من ” قراءة و بروفات ولقاء الأصدقاء ” و في النهار يخلد للنوم خيفة من أن ينزف أثناء نومه ليلًا و الجميع نيام , ولذا كان ينام بعد استيقاظهم حتى يمدوه بالإسعاف إن حدثت له نوبة نزيف , لقد قلل المرض من إنتاجه الفني و المتتبع لتواريخ أغانيه سيلاحظ بأنه في بداية مشاوره كان غزيرًا في نشاطه و مع تفاقم وتصاعد المرض كان يقل نشاطه الفني ليغني أغنية واحدة في العام فقط …

* دندنات عندليبية
*
 حليم وليلى مراد – جلسة 

11311037_850566874979218_366647252_n

( حليم و سعاد )
حين أحب سعاد حسني كانت تلك هي قصة الحب التي تمنى فيها الزواج بِكل صدق , كانت له عشرات التجارب في الحب , وقد تميزت تلك القصص بحالات غريبة كان العندليب يذوب و يستغرق في الحب بكل روحه وذاته , فيطلب من الشاعر أن يكتب أغنية تتناسب مع حالته العاطفية ليهديها عشيقته . فتوالدت تلك الأغاني وشاعت , لقد أفاض الكثير ممن كتبوا عن حليم وألفوا كثيرًا عن تجربته مع تلك السيدة المتزوجة التي أحبها حليم في بداية حياته الفنية و ادعوا أن الزواج منها لم يتم لأن زوجها رفض الطلاق .. في الواقع كانت سيدة مجتمع معروفة في تلك الفترة وكانت متزوجة وحينما تم الطلاق بينها غنى لها ” بتلوموني ليه لو شفتم عينيه ” , في حين أنها كانت تقف خلف الكاميرا , حاول حليم أن يرتبط بها , لكن الموت كان أقرب منها وذلك إثر ورمٍ في المخّ , لقد تركت هذي التجربة ثُلمة مؤججة بالألم في قلبه , و قد كتب له الشاعر ” مرسي جميل عزيز ” أغنية ( في يوم في شهر في سنة ) التي غناها أثناء رحيل تلك السيدة , في لقاءٍ للموسيقار محمد سلطان قال : أن تلك الأغنية هي الأكثر تعبيرًا عن حليم في تلك الفترة , لم تنقطع محاولاته وهو يجوب الآفاقَ باحثًا عن رفيقة الدرب ,  يذكر الشاعر محمد حمزة أنه قد كتب أغنية ” زي الهوا ” والتي كانت نتاجًا لحالة حب عاشها العندليب و لكن لم تستمر إذ تفاجأ بخطبتها في نفس اليوم الذي كان يود فيه مفاتحتها بمشروع الحب , وقال حليم لحمزة : ” إنت دايما تستغل الظروف ! ” , وكما فعل ديوجين الفيلسوف الذي طاف شوارع أثينا وهو يحمل مصباحًا يبحث فيه عن الرجل الشريف , كان حليم يمضي في الدروب حاملًا قلبه المشتعل , ولعل أقرب أغنية تستطيع أن تعبّر عن حالة حليم العاشق و الباحث عن الحب ” ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان , وستسأل عنها موج البحر و تسال فيروز الشطآن … ” رغم تعدد قصص الحب تلك التي نتجت عن أغانٍ فاتنة إلا أن حليم لم يرتبط بأي منهن , وتبقى سعاد حسني هي المرأة الوحيدة التي ارتبط بها سرًا وقد عقد زواجهما في المغرب مطلع الستينات على يد بعض الشهود منهم ” الممثل يوسف وهبي ” , إلا أن هذا الزواج لم يدم طويلًا كما يحكيه الإعلامي الناقد ” مفيد فوزي “

* في يوم في شهر في سنة
*بتلوموني ليه
* بعد إيه
* الحلوة

11418511_850567461645826_47940905_n

( حليم و محمد عبدالوهاب )
إن كلًا من حليم وعبد الوهاب قد شق طريقه وهو ينحت في الصخر , ولم يبلغا القمة عن طريق المال أو النفوذ بل بتعبهم ومجهودهم الفردي , كان أول لقاء بينهم عام 1952 وذلك حين تقدم حليم إلى عبدالوهاب ليسمعه صوته , لكن هذا الأخير اعتذر بانشغاله , وبعد ذلك اللقاء المحبط تخبط حليم في مسرح الإسكندرية , لم تؤثر تلك الإخفاقات في أولى خطواته التي أصر بعدها على سلك نفس الطريق حتى كللها بالنجاح , وكان عبد الوهاب أحد أعضاء اللجنة المقيمة التي أجازت صوت حليم و أصبحا فيما بعد شريكين و توالدت من تلك الشراكة ” شركة صوت الفن ” التي حضنت كبار المبدعين , كان كلاهما ينظر إلى نفسه أن أداءه هو الأفضل و قد تتعدد الحكايات والمواقف : في إحدى المرات كان عبد الوهاب يستمع إلى بث مباشر لحفل حليم وعند مقطع من المقاطع قال عبد الوهاب : لقد أصبح الجمهور رقيقًا و متسامحًا ليتني كنت أحظى بمثل هذا الجمهور ففي زمني عندما ” ينشز و يخرج المطرب عن المقام ” يثور الجمهور و يسقطه , و في المقابل كان حليم يقول : أن صوت عبد الوهاب أصبح خلفي و يعد الألحان لتتناسب معي صوت , وفي أغنية لا تكذبي كان عبد الوهاب يقول لصديقه المقرب : أدائي كان الأفضل , في حين أن حليم يقول : هل لاحظت اختلاف أدائي عنهم ؟ , ورغم تعدد الحكايات تبقى تلك الأغنيات خالدة في الوجدان , كانت العلاقة بينهما تفيض بالمحبة وتمتلئ بالمواقف الطريفة , استمرت شراكتهما لآخر العمر , وكان آخر لقاءٍ فني بينهما ” نبتدي منين الحكاية ” عام 1975 , وقبلها أغنية ” فاتت جنبنا ” 1974 , وكان من المقرر أن يغني ( من غير ليه ) ..  أترككم مع ” هنا “

* فاتت جنبنا
* نبتدي منين الحكاية
* لا تكذبي
* لست قلبي

11280322_850566848312554_852096536_n

( حليم و فريد )

على الرغم من الاختلافات الواضحة بين طبيعة كل من عبد الحليم حافظ و فريد الأطرش , وعلى الرغم من الخلافات التي وقعت بين بعضهما إلا أن مسيرة حياتهما قد حملت في طيّاتها الكثير من التشابه , حليم القادم من الريف  و فريد الأمير الصغير الذي تركَ جبل الدروز بحثًا عن النجومية ,كلاهما أصبح أحد أضلاع الموسيقى العربية , تشابه كلاهما في الشقاء الذي كانَ يركض خلفهما في الطفولة , وفي سيطرة المرض على حياتهما الفنية , وقد بدأ حليم عازفًا على آلة الأوبوا وانتهى به الأمر مطربًا , وفريد كذلك بدأ عازفًا فقط ثم أبدع في الغناء وتفنن فيه , وقد تشابها في السهر و قصص الحب , ومنذ البداية تنافر القطبان في علاقتهما و قد تعرضت لمنحنيات لم تستقم أبدًا , على أشهر تلك ” الخناقات ” هي حفلات الربيع التي واظب فريد الأطرش على الحضور و الغناء في هذه المناسبة أغنيته الشهيرة ” الربيع ” كانَ سيد تلك الحفلات لمدة 15 عام , وقد كان الصوت الأول فيها وبعد أن توقف فريد الأطرش عن الغناء في حفلات الربيع , أخذ عبد الحليم حافظ مكانه عام 1965 و بدأ يأخذ منحنًا جديدًا في تلك الحفلات و يقدم فيها أغانٍ جديدة ” هي الأغاني الأهم ” , وفي العام 1970 وضع إعلان لحفلات الربيع الذي تسيّدها العندليب , ولكن حدثًا جديدًا قد حلّ , فها هو فريد الأطرش يعود للقاهرة معلنًا عن أنه يود الغناء في حفلة الربيع قبل العندليب , الأمر الذي لم يرضٍ حليم , و قد وضعت اللجنة حفلة خاصة لفريد الأطرش مقابل حفلة حليم و التذاكر بسعر أرخص و من يود الحضور من المطربين سيحصل على لحن من فريد الأطرش , وفي الجانب الآخر وضع بليغ حمدي عرضًا جميلًا , من يحضر حفلة عبد الحليم من المطربين و يشارك خلف حليم على المسرح , سيحصل على لحنٍ من بليغ …. كان حليم يعلم بنية فريد في أن يقدم له لحنًا يغنيه , وكان حليم لا يرتضي أن تتطور الصداقة بينهما و قد قال لأحد المقربين : مستحيل أغني من ألحان فريد ! ,,, وبرغم تلك الخلافات إلا أنه حين رحل فريد الأطرش كان حليم قد علم بالأمر من خلال صديق مشترك بينهما الذي تصوّر أن خبرًا هكذا لن يؤثر عليه فقال له دون تمهيد ” فريد مات! ” ,تجمد حليم في مكانه حال سماعه بالخبر والتصق بالحائط و بدأ يبكي و ينزف ونقل على إثرها للمستشفى , لن يعلم الكثيرون أن التنافس الذي زاد عمقه لا يمحو الإحساس بالإنسان الآخر خاصة إن كان نابعًا من قلب فنانٍ كبير !

11119194_850566884979217_793847549_n

( الشعبيات )

ﺒﺩﺃﺕ ﺃﻏﺎﻨﻲ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﺤﻠﻴﻡ ﺘﺘﺭﺍﺠﻊ ﻓﻲ ﺨﺭﻴﻁﺔ ﺍلإﺫﺍﻋﺔ وذلك بعد أن اعتاد الجمهور على نوعية الأغاني التي يقدمها حليم في تلك الفترة ” الخفيفة الحزينة ” فعاد من جديد يتصل ببليغ حمدي الذي حقق نجاحًا جميلًا في اللون الشعبي ” المأخوذ من الفلكلور الشعبي المصري ” و بدأ التعاون بينها بأغنية ” سواح ” التي كتبها محمد حمزة عام 1964 , و ” على حسب وداد 1964 ” ومن ثم ” أنا كل ما أقول التوبة  1965 ” جانا الهوى 1968 ” الهوى هوايا 1969 ” ﺨﺭﺝ ﺒﻠﻴﻎ ﺒﺄﻏﺎﻨﻲ ﻋﺒﺩ ﺍﻟﺤﻠﻴﻡ ﺇﻟﻰ ﺍﺘﺠﺎﻩ ﺠﺩﻴﺩ ، فظهرﺕ ﺍﻷﻏﺎﻨﻲ ﺍﻟﺘـﻲ ﺘﻌﺘﻤﺩ على التراث الشعبي , والتي استطاعت أن تعيد حليم إلى الساحة من جديد ..

* سواح
* على حسب وداد
* التوبة
* جانا الهوى
* الوي الويل
* كامل الأوصاف
* الهوا هوايا

10570368_1028340120524952_8498198639163922775_n

( عدى النهار )

انضم حليم إلى حزب الثورة و أصبح صوته هو أحد أبرز أدواتها التي عبرت عنها , حاز حليم على ثقة و صداقة القيادة السياسة , أحبه جمال عبد الناصر و قال إنه السفير الإعلامي الأول للثورة , لقد لمس التغيير كل نواحي حياته الاجتماعية والفنية , فغنى للاشتراكية ” لو تخدم باشتراكية و بذمة وهمة قوية .. أنا زي ما قال ريسنا راح أشيلك جوا عينيه ” , وغنى للشعب ” شعب للزحف المقدس قام وثار .. ”  قد قدم حليم  و زملاؤه ” كمال الطويل و صلاح جاهين ” الحب والدعم لكل العرب و لشعب مصر بشكل خاص  , أحب حليم عبد الناصر فكان حبه له مزيجًا من التقدير لما قدمه ناصر ,  فغني لمصر وله أكثر من 40 أغنية وطنية , و غنى في كل أعيادها ومناسباتها أغانٍ وطنية جديدة و معبرة جدًا , كان لكمال الطويل النصيب الأكبر في تلحين الأغاني الوطنية التي قدمها حليم , فقدما معًا أغان شاعت وعاشت ” صورة – الاشتراكية – خلي السلاح صاحي – حكاية شعب .. وغيرها ” وكما قدم لأم كلثوم ” والله زمن يا سلاحي ” الذي أعتمد نشيدًا لمصر , وبعد هزيمة مصر عام 1967 , أحس كمال الطويل بطعنة في قلبه سببت له الإحباط الكبير و أخذ ينظر للماضي ولعبد الناصر بألم , فامتنع عن التلحين بعض الوقت , كان كمال الطويل شامخًا عظيمًا لم يتقاضَ أي ” مبلغ ” عن أغنية وطنية لحنها ! , و في النكسة لم يصدق حليم مثل الكثيرين فغنى ” لا يهمك يا ريس من الأمريكان ” , وانكشفت الأمور وتبين ما وقع وسميت ساعتها بالهزيمة , لم يرضَ حليم أن يخرج من الإذاعة , وظَل هناك برفقة بليغ و عبد الرحمن الأبنودي لعدة أيام , و غنى ” عدى النهار ” وهي الأغنية الوطنية الأجمل بالنسبة ( لي ) , و من ثمّ غنى في قاعة ألبرت هول في لندن أغنية ( المسيح ) التي أثارت جدلًا وعاصفة دينية , فقوبلت بالمنع في مصر وبعض الدول العربية , وبعد ذلك أقسم أن يبدأ جميع حفلاته بأغنية ” أحلف بسماها و بترابها ” و أن يستمر في غنائها إلى أن تتحرر سينا , و قد أوفى بوعده و منذ تحريرها عام 1973 , غنى ” عاش اللي قال ” ,  و أقسم أن يبدأ بها جميع حفلاته بدلًا من أحلف بسماها وبترابها , وقد حدثت قصة طريفة يحكيها الشاعر محمد حمزة ” غنى حليم بعد النكسة الأغنية الرائعة ( فدائي )  وعندما صدح بها على أحد المسارح , تملك الحاضرين وكان معظمهم من المقاتلين في الجيش موجة من الحماس فأخذوا يطلقون النار في الهواء بكثافة منقطعة النظير , ظل حليم واقفًا وحين نظر خلفه وجد المسرح خاويًا فقد فر جميع أفراد الفرقة الماسية وكأنما هو بفعل خدعة سحرية , و عاد ملتفتًا إلى الجمهور باسمًا وقال : أشكر لكم تحيتكم الرقيقة و قد قررت أن أكمل لكم الأغنية دون الفرقة .. يللا قولوا ورايا ( جوا المواقع .. بين المدافع .. وسط القنابل .. أنزف أقاتل … ) ” , لم يقدم حليم أغانٍ وطنية بعد وفاة جمال عبد الناصر باستثناء ” عاش اللي قال ” والنجمة مالت ع القمر ” , ظل حليم محتفظًا بمكانته كمؤرخ للأغنية الوطنية وللثورة , احتجب عبد الناصر ومن بعده حليم ولكن أيًا منهما لم يمت , لأن أمثالهما لا يموتون أبدًا ..

* عدى النهار
* فدائي
* صورة
* وطني الأكبر
* يا أهلا بالمعارك

11311896_850566871645885_2070031887_n

( الفنان الذكي )

كان عبد الحليم حافظ يمتلك نظرة فنية بعيدة , ومن عظمته الفنية أنه وهو غير متيقظ تماماً فطن لعبقرية أغنية قدمها له ” حسين السيد ”  التي استشعر فيها عدم رضاء صديقه ” وجدي الحكيم الإعلامي ” وكان ذلك رأيه الخاص فتراهن حليم معه وقال : ستعيش هذه الأغنية لأكثر من عشرين عاماً ومن يكن حياً منا سيعرف هذه الحقيقة وكانت  نبوءة العندليب صداقة فهاهي أغنية ( جبار ) تذاع إلى هذه اللحظة !

* جبار

2015_3_30_16_39_20_739-590x413

( الأغاني الطويلة )

و في مطلع السبعينات قدم الشاعر محمد حمزة أغنية ” متى أشوفك يا غايب عن عيني ” لكن العندليب رفض غناءها قائلًا : سأغيّر الموجه !, وكان له ذلك , فقد اتفق مع بليغ حمدي سرًا على أن يعيدا تشكيل الأغنية الكلاسكية الطويلة من جديد , وبالفعل نجحا مشروعهما , فقدما ” زي الهوا ” عام 1970 , ومن ثم ” موعود ” و مداح القمر ” و استمرت الأغنيات الطويلة التي أصبحت موجة عاليًا , الكل قد حاول مجاراتها , ومن ثم التقى حليم محمد الموجي من جديد و الذي كان في تلك الفترة يعد لحنًا بديعًا من كلمات : نزار قباني , وكان يبحث وقتها عن صوتٍ يتناسب مع اللحن , فكان لهاني شاكر الفرصة لكن حليم تصالح مع الموجي و قام بغنائها , وفي العام 1974 دخل محمد عبدالوهاب و قام بتلحين ” فاتت جنبنا ” و نبتدي منين الحكاية ” أما قصيدة ” قارئة الفنجان ” فكانت خاتمة أغنيات العندليب , كتب كلماتها نزار قبانى ، ولحنها الموسيقار محمد الموجى ، وقد بدى في كواليسها أنها أغنية حليم الأخيرة , ويبدو أن الأغنية قد استغرقت كل حواس العندليب ، وظهر هذا من خلال أدائه لها، بالرغم من أن كثير من أعضاء الفرقة الماسية التى رافقت حليم على مدى 30 عاماً قد تشاءموا من القصيدة، ونصحوا العندليب بعدم غنائها .

* زي الهوا
* موعود
* مداح القمر
* حاول تفتكرني
* رسالة من تحت الماء
* يا مالكا قلبي
* أي دمعة حزن لا
* فاتت جنبنا
* نبتدي منين الحكاية
* قارئة الفنجان
* حبيبتي من تكون ؟

4054343_normal

( وداع يا دنيا الهنا )

حلّ عيد الربيع , كان حليم في رحلة علاج إلى لندن , وهي الرحلة الوحيدة التي لم يرافقه فيها طبيبه الخاصة , في مثل هذا اليوم بالذات حيث كان كل عشاقه وعشاق الربيع ينتظرونه ليشدوا لهم بالحب والفرح , فإذا به يصبح هو نفسه خبرًا مؤلمًا , حزينًا من الأخبار ! , مات الذي غنى للربيع و للوطن وللحب , وانتهى مشوار حياته التي كتب عنها في صدر مذكراته ! .. وانتحب الشباب , وتعدد حالات الانتحار , و أقيمت له جنازة هي الأكبر في مصر ..
وداع يا دنيا الهنا
وداع يا حبي يا أحلام
دا عمري جرحي أنا
أطول من الأيام
في يوم .. في شهر .. في سنة

11328924_850567454979160_1144801537_n

( أعمال مؤجلة )
هذه قائمة لبعض الأغنيات التي قد أعدت لحليم خصيصًا :

1- هوه اللي اختار
ألحان بليغ حمدي وكانت مؤجلة من عام 1975 وقد كتبت النوتة الموسيقية الخاصة باللحن وتم عمل الأغلفة الخاصة بالأسطونات و الأشرطة الكاسيت ولكن القدر لم يمهل عبد الحليم لغنائها  فكانت من نصيب هاني شاكر .. وقد قال بليغ حمدي : لو أن حليم قام بغنائها لظهرت الأغنية بشكل لا مثيل له .

2- من غير ليه :
هذه الأغنية من كلمات مرسى جميل عزيز وألحان محمد عبد الوهاب وكان من المقرر غناءها عام 1976 في نفس الحفلة التي تغنى فيها حليم بـ قارئة الفنجان

3- قالت في هوايا :
هذه قصيدة للشاعر : الأمير عبد الله الفيصل والحان محمد الموجى وكان من المقرر أن يغنيها عبد الحليم حافظ بعد عودته من رحلة العلاج ولكن القدر لم يمهله لتقديمها .

4- أحلى طريق فى دنيتى :
كلمات : محمد حمزة و ألحان : محمد سلطان , وبعد وفاة عبد الحليم ذهب الأغنية لفايزة أحمد .

 

عزيمة النمر المقنع / الضربة القاضية

11350188_848186741883898_1151043410_n

[ عزيمة النمر المقنع / الضربةُ القاضية ]

عِندما كُنت طِفلًا في السابعةِ , اعِتدت على الاستيقاظ باكرًا , و القيامَ بمهامي اليومية و هي الركض حولَ الحارة ثم الوقوف تحت شجرتنا الكبيرة , ارتداء قفازات الملاكمة , و البدء في مواجهة الريح و تفادِ النسمة الخادشة , ومن ثم أعودُ إلى المنزل مُرهقًا , أفتح جهاز التلفاز و أقوم بمشاهدة حلقات ” كرتون فارس الفتى الشجاع ” وعلى أغنية المقدمة أقفزُ بينَ الأسرة و الدواليب ” بالجدِّ والعمل يحقق الأمل و فارس الصغير الفتى الشجاع يصبح البطل ” , كُنت أتقمص دورَ فارس شجاع , و أقومَ بـِلكـمِ من يقفُ قِبالتي , و أرَتبُ حَلبة مُلاكمة خلفَ المنزل ؛ أبرزُ فيها عضلاتي و سرعة ضرباتي الخارقة أمامَ من هم في مثل سني ..

ذات صباحٍ لطيف خِلته , إذ صَعدتُ إلى السطح لأتدرّبَ قليلًا و أمارسُ شجاعتي , قمت بلكم ” كيس الملاكمة ” الذي لم يكن موثوقًا جيدًا , وسقط اثرَ تلويحةٍ على ” صحن الدش الكبير ” و تغيّر اتجاهه كثيرًا , جهاز الدشّ كانَ ثورةً في حينها , و نحن من بين كُل عائلات الحارة الذين امتلكوا هذا الشيء العريق و الذي كان بثمنٍ غالٍ في ذاك الوقت …. ارتبكت للحظة .. استظليت خلفَ الحائط , أخذتُ نفسًا عميقًا وبدأت بالتخطيط ” كيف أتفادى غضبَ أخي؟ ” , تبادلت الحديث مع نفسي , و أقنعت خيالاتي البِكر بأنني أستطيع اخمادَ غضبه عندما ألتقيه ؛ فأنا الطفلٍ الصغير أحمل البراءة في تعابيري , وعفوية التمثيل التي اكتسبتها من المسلسلات في حقيبة الكفّ ..

عادَ أخي من الجامعة تَعِبًا , وكعادته يفضل الاسترخاء في هدوءٍ تام , ومشاهدة التلفاز , لكن هذي المرة كانت مختلفًة .. فالتشويش كان مستوطنًا ” الشاشة ” , و بأعلى صوت : ( هيييييييه )  كانت صرخته أشبهَ بدوي قنبلة في المنزل .. خرجَ إلى الصالة حيث نجلس ,  فكانَ سؤالًا واحدًا وجهه لأخوتي : “مين كَسر الدرش ؟” , في حينِ أنني كُنت أتسلل خلسة من تحت الأسرة إلى البابِ الخارجي , إلتفتَ إليّ , إلتفتُ , ذعرتُ , كانَ أشدّ رهبةً من أي وقتٍ مضى , ركضَ مُسرعًا نحوي , كانت خطواته الريح و أنا الصغير لم أكن أملك ردة فعلٍ توازيه في السرعة , وكما فعلَ باسمُ النمر بوالدِ فارس في ( الحلقة الرابعة ), تلقيت ضربة خاطفة لم أجد الفرصة لتفاديها كما كُنت أفعل دائمًا أمامَ الأصدقاء , كانت ضربة قاضية أسقطتني على الأرض ولم أستطع حينها التشبث بالزاوية ولا بالحبال , الدماء تخرج من رأسي الصغير و أخوتي يسقونني الماء ويلقون عليّ محاضرةً طويلة ..

طُرق الباب كانت تلك الطرقات أشبه بجرس نهاية المعركة , كنت الطرفَ الخاسر يومها , ورغم أنني خسرتُ القتال و تنازلت عن عزيمة فارس إلا أنني ارتديت قناعَ النمر المقنع و ” لم أيأس أبدًا لم أستسلم سأخلص الحلبة من كُل الشرور .. تاتاتا تاتاتا  ترا ترا تاتاتا  .. حلبة المصارعة ملتقى الأبطال .. لها زوايا أربعة مشدودة الحبال … إلى آخر الأغنية “

ما تيسر من سيرة روبيرت دينيرو

11303533_845880805447825_4921049_n

ما تيسر من سيرة روبيرت دينيرو

 

(مقدمة )
ليست كُل الكلمات مُتشابهة , هُناك دائمًا تفاصيل مختلفة لكل حكاية , وهناك ملامحُ خاصة و أخرى استثنائية , وعندما نتحدث عن ” روبيرت دي نيرو ” , لزامًا علينا أن نكونَ منصفين , و أن نعي سردنا للقيمة الفنية التي تبقت في تاريخ هذا الرجل , وما قدمه للسينما , والنوافذ التي أشرعها للجيل الجديد .

(البدايات )
كانَ بإمكانه أن يقتفي أثر النجاحات الأولى , ويستنسخ منها طريقته في الأداء و التعبير , كما فعل الكثيرون , لكن أخيلته كانتَ مختلفة و نظرته للسينما كانت مشرقة جدًا , الأمر الذي دفعه لطرق أبوابٍ جديدة , لم يطرقها أحد من قبل , فلم يتعلم جيدًا في معاهد السينما , لكن الموهبة كانت رفيقته الدائمة .
.
.
روبيرت دي نيرو , ممثل ومخرج ذو أصول إيطالية , وُلد عام 1943 ,  في مدينة نيويورك , تلك المدينة الشاهقة , والتي تفتح ذراعيها للمغتربين .  تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة “ليتل ريد” حيث أطلق عليه رفاقه لقب “بوبي ميلك ” بسبب جسده النحيف وملامحه الرقيقة والناعمة، فيما بعد ألحقته والدته بمدرسة الموسيقى والفنون الثانوية بولاية نيويورك التي طرد منها وهو في عمر المراهقة لعدم تمتعه بحسٍ فنيّ عالٍ , إذا قالت معلمة الموسيقى : “أنتَ تفتقد إلى المشاعر الصادقة حينما تضرب بأصابعك على الألات الموسيقية ! ”

(من هذا الشاب ؟ )
ولأن الموسيقى كانت عصية عليه , امتطى البحر , وذهبَ بعيدًا إلى فرنسا , ليقبض بيديهِ على حُلمه , لكن الريحَ عاندته , كان الدأب و الإلحاح مفتاح شخصيته , فلم يرتكن للظروف المعاكسة و القاسية التي مر بها وهو بعمر الـ 18 , كان يمتلك مقومات المقاتل , أتقن الفرنسية , وصعد على مسارحها , فكان النجاح حليفه , قدّم هناك أول أدواره السينمائية بدورٍ صغير , فكان أداءه المبهر سببًا في سطوعه , حينها استدعاه المخرج ” بريان دي بالما ” ليقدما معًا ثلاثةَ أفلام .
.
.
رغم أن دي نيرو بدأ التمثيل في الستينيات , إلا أن بدايته الحقيقية كانت في السبعينات , وذلك بعد أن التقى ” مارتن سكورسيزي ” الذي كان يمتلك نظرة , و أحلامًا تتلاقى مع تطلعات دي نيرو . كان أول أفلامهما البارزة  “mean street ” عام 1973 , الذي تدور أحداثه حول ” جوني بوي، مجرم متهور يعيش في المستوى السفلي للمدينة. سلوك دي نيرو العصبي وتصرفه اللا مبالي يبقى مع المشاهد لفترة طويلة بعد نهاية أحداث الفيلم. إنه الأداء الذي دفع الكثير من محبي السينما للانتباه لموهبة دي نيرو وسؤال أنفسهم “من هو هذا الشاب؟”.
.
.
قبل هذا الفيلم , تقدم روبيرت دي نيرو لاختبار الأداء الذي أعلنه المخرج ” فرانسيس فورد كوبولا ” لفيلم ” the godfather ” كان روبيرت دينيرو على مقاعد الانتظار , وذلك قبل أن يحين موعد اختباره بساعات , ليخرج آل باتشينو بكل هدوء : لقد حصلت عليها.

(  النجاحات الأولى  )
في عام 1974 ، تمكن دي نيرو من المشاركة في أحد أهم كلاسيكيات السينما العالمية ، “ The godfather part2” , وهو الفيلم الذي أضرم حرائق المنافسة بين دي نيرو و آل باتشينو , قدم روبيرت دينيرو دورًا بديعًا خوّله للحصول على جائزة الأوسكار لأول مرة , شهدت مرحلة السبعينات بريق دي نيرو , فبعد عامين قدّم رائعته ” taxi driver ” والذي حاول من خلاله تجسيد شعور الإنسان بالوحدة من خلال شخصية سائق تاكسي يدعى “ترافيس” , براعة كتابة وتصوير الشخصية ساهمت في إثراء شعبية الفيلم لدرجة وصلت أن بعض المشاهدين يرونه بطلاً يجسد شعورهم الخاص حول الوحدة وآخرون يعدونه نقل حي للشر الدفين في نفسية كل إنسان . ثم التقى بالمبدعة ” ميريل ستريب ” في فيلم  ( the deer hunter  ) .. يعد هذا العمل من الأفلام الأولى التي تطرقت لحرب فيتنام، وهي نظرة عاطفية لا تُنس , وأحياناً صادمة على الحرب وما تحدثه في الفرد. يبرز دي نيرو بدور مايكل، أحد ثلاثة أصدقاء توجهوا للمحاربة في فيتنام وتغيرت حياتهم إلى الأبد بعد ذلك. مايكل رجل عادي يحاول استيعاب والتعامل مع ما يمكن وصفه بمواقف الحياة الصعبة وغير الطبيعية , حصد الفيلم على 5 جوائز أوسكار من ضمنها ” أفضل فيلم ” .

( أيقونة )    
استهلَ دي نيرو مرحلة الثمانينات بفيلم Raging Bull , وتدور حول الملاكم ” جيك لاموتا ” الذي تحوّلت كُل أعماله إلى حطام بسبب تهوره وعصبيته , تصدى لأعباء الإخراج : مارتن سكورسيزي , ومن حرصه على أن يخرج العمل بصورة صادقة , كسر دي نيرو ضلع صديقه ” جو بيسي ” وذلك أثناء التمثيل وممارسة ” الملاكمة ” , وقد عرض المشهد كاملًا على أنه ضمن أحداث القصة الأصلية , رغم أنه لم يكتب في النصّ ! , نالَ روبيرت دينيرو جائزة الأوسكار الثانية في مسيرته , ورشح مارتن سكورسيزي لأول مرة . يصنف الفيلم على أنه أحد أهم عشرة أفلام في القرن العشرين , والأفضل في مرحلة الثمانينات , تبعَ هذا الفيلم عدّة تخبطات , إلا أنه عادَ من جديد في فيلم العصابات Once Upon A time In America  للمخرج سيرجيو ليوني , وقدم شخصية ديفيد “نودلز” أرانسون، ويؤديه بطريقة متحفظة ضابطة للنفس. شخصيته تعتبر تناقض فعلي لرجل قادر على القيام بأفعال كريمة ولطيفة وارتكاب أفعال أخرى عنيفة وجنونية بنفس الوقت.
يفصل بين الشخصيتين حياته المريرة في عالم المافيا والتي يعيش حبيساً لها رغم عنه. إنه تجسيد مؤثرٌ وعميق لرجلٌ يسمح للحياة أن تدمره لسبب مجهول. أداء دي نيرو في الفيلم هو جوهرة في قلب عمل عبقري خالص.
في نسخة المخرج براين دي بالما الممتعة للغاية عن مسلسل الخمسينات القديم، يزيد دي نيرو من وزنه مجدداً ويقدم عدواً هائلاً ومفزعاً للمحقق إليوت نيس (كيفن كوستنر) وفريق عمله. , يلعب دي نيرو دور رجل المافيا الشهير آل كابون الذي يحكم إمبراطوريته الإجرامية بقبضة من حديد، شاهد المشهد الذي يتكلم به دي نيرو عن أن “تعمل مع الفريق” مع رجاله، وذلك وهو يحمل مضرب البيسبول. إنها واحدة من اللحظات السينمائية الأيقونية في الثمانينيات  , إنه أداء شجاع واستعراضي، ينجح دي نيرو به دون عناء، وهو متناسق تماماً مع رتم إخراج دي بالما الأوبرالي المبهرج للفيلم ككل.

( لقاء )
في التسعينات , ازدادت روابط التعاون بينه وبين رفيقه المخرج ” سكورسيزي ” حيث قدما معًا ثلاثةَ أعمال , Goodfellas يُمثل هذا الفيلم خلاصة مسيرة دي نيرو والمخرج مارتن سكورسيزي الذي لا تشوبه شائبة. إنه فيلم يُمسك في خنّاقك من الدقائق الأولى، مستعرضاً صعود وهبوط رجل العصابات متوسط المستوى هنري هيل (راي ليوتا) بين عصبة غامبينو.
يُغطي الفيلم ما يُقارب 15 سنة من حياة رجل. يؤدي دي نيرو دور جيمي كونواي وهو رجل عصابات أكبر منه في السن يضع هيل تحت جناحه ليرشده ويشرح العالم الذي سيعمل فيه.
الفيلم الثاني : Casino  وهو صورة مقاربة لما قدمه في الفيلم السابق , أما الفيلم الثالث والذي لم يجد طريقًا للشهرة Cape fear  والذي وصل فيه إلى أعلى درجات التقمص رغم القصة المستهلكة .
وبرغم أعماله الجميلة والكثيرة في مرحلة التسعينات إلا أن فيلم Heat  هو أكثرها بريقًا ,  يلعب دي نيرو دور المجرم البارع نيل مكولي الذي يُكرس نفسه لحرفته على حساب كل شيء آخر في حياته، وهو الصورة المطابقة لرجل الشرطة المتفاني فينسنت هانا (آل باتشينو) المُكلف بالقبض عليه وعلى فريق عمله.
النقطة التي يتميز بها الفيلم، ودي نيرو، هي الطريقة التي نشهد بها الإيماءات الصغيرة والنظرات الجسدية التي تقوم بها الشخصيات وتفصح من خلالها على ملايين الأشياء عن كينونتها دون النطق بأي حرف.
كانت هذه المرة الأولى التي يجتمع بها دي نيرو مع آل باتشينو على الشاشة سوياً، وقد اشتهر الفيلم بمشهد المقهى
الذي تجتمع به الشخصيتين، وهو دون شك أحد أفضل الأمثلة على التمثيل البارع في تاريخ السينما.

( ختام )
بقيَ أن أقول : رغم أن الأعمال الأخيرة أتت مخيبة للآمال , ولا ترتقِ لهذي القامة الهوليودية الفخمة , إلا أن تاريخه العريق يشفع له , فما قدمه من أعمال منذ مطلع السبعينات , إلا نهاية التسعينات .. كفيلة بأن تنسينا ما يقدمه في هذه اللحظة .

الرجل المكتبة

 

11086663_840840912618481_2111025203_n

( الرجل المكتبة )

” القراءة ضرورة حياتية للتنفس ”

مستنيرٌ هو , مُذ كانَ يتلصص على الكبار في قراءتهم الأدبية , ومنفتحٌ كالكتاب على الآفاق المليئة بالأقمار و الضوء مُذ كانَ يستريح على مقاعد المكتبات في ليلها الداكن الطويل ..
أمريكا اللاتينية التي لم تكف يومًا عن إظهار الكتاب المرموقين و المبدعين , قصائدٌ عديدة , ثقافة مختلفة , و أسماءٌ قطفت قلبَ القارئ .. ومن بينهم الكاتب و المترجم المثقف ” ألبرتو مانغويل ” أو الرجل المكتبة , الذي ولد في الأرجنتين عام 1948 , تلك المتوجة بالثقافة و الأدب و الانجازات الكروية أيضًا , أفنى حياته في المكتبات , يشعل شمعة الأدب و التاريخ , كانَ أحد الذين امتلأت أخيلتهم بثقافة و أحاديث – خورخي لويس بورخيس – إذ أنه كانَ يسانده على القراءة و الكتابة قليلًا ؛ بعد أن فقد بورخيس بصره في مرحلة ما .. لا يكترث أبدًا للأدب المستهلك , و لا يقيم وزنًا لمن يسعى في كتاباته لإظهار عضلاته الكتابية فقط دون العمق الفكري , ولا من يسعى إلى الخلاص النفسي .. تعد أعماله الأدبية من أكثرها تأثيرًا على القارئ و رواجا في بساتين الثقافة .. فلا ننسّ ” المكتبة في الليل ” ” يوميات القراءة ” و كتابة الأجمل و الغني ” تاريخ القراءة “


( تلويحة أولى )

ذاتَ مساءِ و في سنوات الجامعة الأولى , أخبرني صديقٌ لي عن كتابٍ صدرَ في المكتبات باسم ” تاريخ القراءة ” كانَ يعلم جيدًا أنني مهتمُ بالمكتبات و البحث في التاريخ و بدايات القراءة الأولى , كُنت أبصرُ دهشةً و بهجة في حديثه  , حيث أنه كانَ يصف بعض المواضيع التي أشرعَ أبوابها المؤلف في سردها بشكل مفصل و جذاب .. ومن فرطِ الاندماج , حلقت في تلك العوالم الجميلة , أذكر أنني كنت أرسم مجموعة كتبٍ مهترئة , قديمة , تستحيل في لحظة إلى عوالمَ حقيقية , تاريخ يتجسد أمامي , وعندما فرغَ صديقي من وصفهِ العذب , سألته عن الكتاب إن كان يريد أن يبيعه لي , أجاب بأنه قرأه عن طريق المواقع الإلكترونية , تلك التي لا تستهويني و لا تجعلني غارقًا في بحيرات القراءة , حيث أني أتنفس الاوراق , هذا ما أفعله كلما زرت مكتبة أو معرضًا للكتاب , أقوم باستنشاق الاوراق , و أعرف إن كانَ هذا الكتاب من دار الساقي أو الفارابي أو حتى المدى , فقط لأنني أجد ادماني الوحيد في هذي الجماليات ..
في عيد الحج – بالتحديد عام 2011 – كُنت في زيارتي السنوية إلى مدينة ” الخبر ” هُناك أختارَ مكانًا مناسبًا لعزلتي و هدأتي , في تلك الفترة .. مررت بمكتبة المتنبي الشهيرة في مدينة الدمام , والتي طالما تمنيت زيارتها , تلكَ المكتبة الوارفة الكتب و الغنية بالمجلدات و الموسوعات و الروايات العظيمة و النادرة , بورقها القديم , و أغلفتها الأنيقة , صعدتُ إلى الطابق الثاني , تساءلت عن عدة كُتب , وعليّ أن أشيد بدور العاملين هُناك , إذ أن كُل شخصٍ فيهم قد قرأ ما لا يقل عن ألف كتاب , إنهم موسوعات متنقلة , بعد أن وضعت الكتب للحساب وجدت أحدهم قد ابتاع كتاب ( تاريخ القراءة ) تساءلت : في أي رفّ ؟ قال هُناك في الزاوية , لم أتمالك نفسي حينها من السعادة , ركضت بخفةِ الريح إلى ذاك المكان , وهنا التقيت به , بدأت بتصفحه , و بالصدفة توقفت عند هذي العبارة ” أعطتني القراءة عذرًا مقبولًا لعزلتي ، بل ربما أعطت مغزىً لتلك العزلة المفروضة عليّ ” و هذا ما كنت أفعله و أستمتعُ بهِ في كُل زيارة أقوم بها إلى ” الخبر – الدمام ” أعتزل العالم , و أفترش سكنًا صغيرًا بعيدًا عن ضوضاء المدن و قلقِ الحياة , و أبدأ بالقراءة ..
اقتنيت حينها ثلاثَ نسخ , لي و اثنتين لمن يحبون استعارة الكتب مني !!

( تاريخ القراءة  ) 

هذا الكتاب – تحفة فنية , قرائية , غنية , مفيد لكل قارئ , مادته مليئة بالتفاصيل و ملهم , ينبغي على الجميع اقتناءه و قراءته , لكن هذا الكتاب لا يقرأ دفعة واحدة , بل على مراحل .. إذ أنه يحتوى على كمية هائلة من المصطلحات ..

بدأ مانغويل هنا بالكتابة عن العصور الأولى و كيف كانت طريقتهم في حفظ المعلومات و تدوينها , ومن ثمّ يصطحبنا إلى الحكاية و يحدثنا عن القصص منها قصةّ الأمير الفارسي الذي كان يحمل مكتبته المؤلف التي تحتوي على أكثر من مليون كتاب على ظهر قافلته من الجمال , مصنّفة حسب الأحرف الأبجدية ..

الكتاب يتحدث بإسهاب عن تاريخ القراءة و الكتابة وعن التاريخ الذي ابتدأه – مانغويل – في رصف الحروف و الرموز و من ثم قراءتها في طفولته بدءًا , إلى قراءته للكاتب – بورخيس – كما ذكرت سابقًا ..

إن ترتيب الفصول و المواضيع التي طرحت ووفرت المعلومات تجعلك لا تقف أمام الصفحة وتنظر إليها فقط! بل تحمسك على الإطلاع والبحث العميق حول تلك الأمور من تاريخ القراءة بصوت عالٍ وكيف تحولت إلى قراءة بصمت استمرت حتى يومنا هذا و القراءة على الآخرين وكيف كان الإلقاء يميز على مؤديه أن يحترم علو الصوت وانخفاضه و حركات اليد حتى يحكم عليه بالمحاضر الجيد كتشارلز ديكنز مثلاً !  والترجمة التي ساهمت في تبادل الكتب بين الشعوب و سرقات الكتب!

في الفصول الأولى يأخذنا الكاتب إلى تجاربه الشخصية مذ كانَ طفلًا مرورًا بعمله تحت يدي الكاتب – خورخي بورخيس .. و أخيرًا إلى قراءته المستقلة .. بصورة ماتعة هندسية تدهش القارئ المحب ..

كما أنه يتحدث في أحد فصول الكتاب عن العلاقة المعقدة بين القارئ و الكتاب بلغة فاخرة و سرد مفعم بالشغف , إذ يبدأ بوضع التحليلات لأصل الكتابة و القراءة , حيث أن معظم الاحتمالات التي قالها تشير إلى نشوئها في الألفية الرابعة قبل الميلاد .. فيما بدأت الكتابة لدوافع اقتصادية .. تتماشى مع الملكيات و الدول ..
في صفحات الكتاب الأخير عليك أن تتوقفَ كثيرًا أمام معلم الكاتب / بورخيس , الذي يضعنا في وهم كتاب ” تاريخ القراءة ” الكتاب الذي لم يقرأه المؤلف , بعد كتابته ! , في هذا الفصل يقدم الكتاب ملخصًا لكتابة بصورة جميلة وخالصة ..
هذا الكتاب لا غنى عنه في مكتبة كل قارئ و عاشق للكتب و المكتبات .. والذي يستحق أن يستريح في مكتباتنا , ويأخذنا في لحظات لرحلاتٍ شيقة عن الحضارات وبداية القراءة …… يقول: “فالكتاب الموجود أمامي ليس تاريخ القراءة ، إنما تاريخ القراء العاديين أيضًا ، أي أولئك الذين أظهروا على مر العصور شغفهم بهذه الكتب أولئك الذين انتشلوا الكتب من طي النسيان”
هذا الاستعراض الشيق و الفاتن جدًا الذي يتخلل فصول الكتاب , ويبدو وككتبٍ عدّة , أو أنه كتاب احتوى الكون , ويسرد لكَ التاريخ القرائي مرورًا بعمليات الادراك و ظروفها المحيطة مرورًا بالحضارة البابلية و الفرعونية و السومرية و غيرها .. إلى مرحلة الطباعة و عمليات إنتاج الكتب و الأغنية بكل التدرجات ..

( اقتباسات )

* “كان سقراط مقتنعاً بأنّ القراءة لا يمكن أن توقظ داخل القارئ إلاّ ما كان القارئ يعرفه سلفا وبأنّ الحكمة لا يمكن الحصول عليها من أحرف صمّاء ميتة .”

* “كنت أنظر دوماً إلى الروايات كمنتوج تافه , إلاّ أنني اكتشفتُ أخيراً أنها مفيدة للغاية ضد الكآبة”

* “أنا أعرف تماماً أنّ شيئاً ما يموت في داخلي عندما أستغني عن كتبي, وأن ذكرياتي تعود إليها دوماً وأبداً وتصيبني بحنين مؤلم للغاية”

* “في القرن الثالث عشر كتب أحدهم على حافة مجلد يضم التواريخ الكنسية : ” عند قراءة الكتب عليك أن تعتاد على ملاحظة المعنى أكثر من الكلمات , والتمسك بالثمار وليس بالقشور ”

* “كان تحمسي مفرطاً إلى درجة أني كنتُ أظن سأصبح إنسانة غير سعيدة إن لم أعثر دوماً على كتاب جديد أقرأه”

* “غير أن القراءة بالفراش تعتبر أكثر من مجرد تمضية للوقت, إنها تمثل نوعاً من الوحدة فالمرء يتراجع مركزاً على ذاته ويترك الجسد يرتاح,ويجعل من نفسه بعيداً لا يمكن الوصول إليه مخفياً عن العالم”

* “في إحدى المناسبات سئل الحاخام ليفي اسحاق أحد كبار معلمي الحسيديين في القرن الثامن عشر عن سبب غياب الصفحة الأولى من جميع بحوث التلمود البابلي مما يدفع القارئ الى مباشرة القراءة بالصفحة الثانية. أجاب: (على الرغم من كثرة قراءات المرء، عليه ألا ينسى أبدا أنه لم يصل بعد إلى الصفحة الأولى ”

* “يظهر هذا في أن نفس الصفحة من الكتاب تدفع أحد القراء إلى التشكك في عقله والقارئ الآخر للضحك”

* “نحن وأين نحن موجودون؛نقرأ كي نفهم؛أو من أجل التوصل إلى الفهم.إننا لانستطيع فعل أي أمر مغاير:القراءة مثل التنفس؛إنها وظيفة حياتية أساسية.”

* “أما الغريب في الأمر فهو أننا لا ننقطع أبدًا عن ممارسة فعل القراءة على الرغم من أننا لا نملك تفسيرًا مرضيًا لما نفعله”

* “كنت أسبح ضد مجرى التيار..وأعيش وقف ماكنت قد قرأته”

* “إن النظم الشمولية ليست الوحيدة التي تخشى القراءة. بل وحتى في ساحات المدارس، وفي خزائن الملابس، وفي دوائر الدولة والسجون تجري مراقبة جمهور القراء بعين الارتياب، نظرا لما يشعر المرء به من سلطان،القراءة وقوتها الكامنة.”

* ” القراءة ضرورية للحياة كالتنفّس “ 

* “بحبه للتيه في عقول آناس آخرين، عندما لا أتمشى أقرأ، إنني لا أستطيع أن أجلس ببساطة وأن أفكر، الكتب تفكر عني

 

اقتباسات – المياه كلها بلون الغرق

 

 

486096_499806790055230_2031498769_n

المياه كلها بلون الغرق

I
( ضمور الكلمة )
1- ثمة في البلادة مقدار من الجدّ , لو وُجه بشكلٍ أفضل , لأمكن له أن يُضاعف محصولنا من الروائع ..
2- بدون شكّنا في أنفسنا تغدو شكوكيّتنا كلمة ميّتة , حيرة مبتذلة , مذهبًا فلسفيًا .
3- تاريخ الأفكار هو تاريخ ضغينة اللائذين بالعزلة .
4- ” .. الحقيقيّ وحده جديرٌ بالمحبة ” من هُنا نشأت جميع نقائض فرنسا : إعراضها عن الغامض والضبابيّ , ضديتها للشعر , ضديّتها للميتافيزيقا .
5-شكسبير : موعد بين وردة و مقصلة .
6- وحدها العقول السطحية تتقدّم من الفكرة بلطف
7- لا يعتني بالأمثال و الأقوال المأثورة إلا من عرف الرعب وسط الكلمات .
8- غموض : كلمة نستعملها لخداع الآخرين , ولإيهامهم بأننا أكثر عمقًا منهم .
9- لا شيء يصيب العقل بالجفاف مثل نفوره من تصوّر أفكارٍ مُبهمة .
10 – بالنسبة إلى من استنشق الموت , كم هي مؤسفة روائح الكلمة .
11- أن تكون إنسانًا حديثًا هو أن تبحث عن عقار لما أفسده الدهر . 

II
( لصّ الأغوار )
1- بحذرٍ شديد أحوم حول الأعماق , أختلس منها بعض الدوار ثم انفلت مثل لص الأغوار .
2- لا مفر لكل مفكّر في بداية حياته المهنية , من الاختيار بين الجدل و النواح
3- قبل أن تولد الفيزياء , و البسيكولوجيا بكثير , كان الألم يفتت المادّة و كان الحزن يفتت الروح .
4- وحدهم الشعراء الرديئون يشعرون بالحرية .
5- ذنب الفلسفة أنها ” محتملة ” أكثر مما يجب
6- اعتراض على العلم : هذا العالم ” لا يستحق ” أن نعرفه .. 

III
( زمن و أنيميا ) 
1- في ذروة انعدام الفضول , نحلم بنوبة صرعٍ حيدة كمن يحلم بأرض موعودة .
2- أحزاننا تمتد كاللغز الذي تشي به ابتسامة المومياوات
3-الأريكة , هذا المسؤول الكبير , مُتعهدٌ ” روحنا ” ..
4- الحزن شهية لا تشبهها أي مُصيبة 

IV

( غروب )
1- عبثًا يبحثُ الغرب عن طريقة للاحتضار لائقة بماضيه .
2- كم هو مُحزنٌ أنرى أمما كبيرة تتسول قدرًا إضافيا من المستقبل 

V
( سيرك العزلة )
1- لا يستطيع أحد أن يحرس عزلته إذا لم يعرف كيف يكون بغيضًا .
2- الشكوكية التي لا تُساهم في مدار صحتنا ليست سوى رياضة ذهنية .
3- تائهًا في الضبابِ , أتعلّق بأدني أسى كأنه حبل نجاة .
4- لماذا ننسحب ونغادر من اللعبة , ما دام في وسعنا أن نُخيّب ظن الكثير من الكائنات .
5- مع التقدّم في السن , يتعلم المرء مقايظة مخاوفة بقهقهاته .
6- ما من فعل إلا وهو يداعب غُرور الضبعِ فينا .
7- يا لها من حيرة حين نكون غير واثقين من شكوكنا فنتساءل : هل هي حقًا شكوك ! 

VI
( حيوية الحُبّ )
1- فن الحُبّ ؟ أن تعرفَ كيف تجمع طبيعة ممتصّ دماء إلى تخفّي فراشة ..
2- لماذا نعش الزواج ؟ , لماذا لا نعش الحب ؟ كم كانت عبارة بليك مؤسفة ..
3- احساس المرء بدماغه , ظاهرة تضر بالتفكير كما تضرّ بالفحولة ..
4- كرامة الحب لا تتمثّل في إلا في حنان خسر كُل أوهامه . 

VII
( في الموسيقى ) 
1- بيتهوفن أفسد الموسيقى , ادخل عليها اللحظات المزاجية , سمح بتسلل الغضب
2- كم أود لو مُتّ بواسطة الموسيقى , عقابًا لي على شكي أحيانًا في جبروت قدراتها الشريرة ..  

VIII
( دوار التاريخ ) 
1- أثناء لحظات الرعب نكون ضحية اعتداء من طرف المستقبل
2- الحرية هي أقصى ممتلكات أولئك الذين تحرّكهم إرادة أن يكونوا متطرّفين .. 

IX
( عند منابع الفراغ ) 
1- تُرى , هل يُمكن للإنسان أن ينهض بعد أن سدد للحياة ضربته القاضية ؟
2-وحده الفكر المتصدّع يملكُ نوافذ تُطل على الآخره ! ..
3- من منا وهو يبحث عن نفسه في المرآة , في شدة العتمة , لم يشاهد معكوسة الجرائم التي تنتظره ؟

ملاحظة

أمي

مازالت الشمعة الـ 60 مضيئة في أقاصي أعماقها ..

أمي

(1)
في عامها الستين .. تقفُ تلك السيّدة المعجونة بطين الجنوبِ , ومياهِ الينابيع الصافية .. لتؤثث الفجرَ بصوتها النقي , لترتّب وردًا من الشعر والأغنيات , وتغفو أنيقةً على غيمةٍ من عسل.


(2)
التي يصبح الحرف في ثغرها نافذةً من ضوءٍ , وحبٍّ , وموسيقى , التي يصبح القلبّ في كفّها سريرًا من فضةٍ وحليبٍ ومرمر , التي كلما بكت طفلة في القرى زرعت نخلةً في قلبها وأشعلت تفاحةً في صدرها وطبعت قبلةً على عينها

(3)
تستيقظُ صباحًا لتشرع أبوابَ قلبها للنسيم , للطير , للشجر الغافي و للزرقة !
تبدأ صباحها بالكلمات العذبة و الأغاني الطفولية:
“نودا يا نودا ودّينا المدرسة …. إلخ
في محاولة منها لجذب اهتمامنا بالدراسة و حبّ المعرفة !

(4)
أمام قلبٍ بحجم السماء …………. سيطول الانتظار

(5)
في بيتها المليء بالندى والصهيل والفلّ الجنوبي .. تجلس كل يومٍ , لتقيم بضحكتها فضاءً واسعًا لمرح الأطفال .. لتبلل مرايا الروح بالعطر والقبلات , و تقص للصبايا عن حكاياها الجميلة التي لا تنتهي !
قصة / قصة .. في حين أنها تفرك الفناجين بأصابعها ؛ علّ هذا الوقت لا يتوقف !

(6)
يد حنونتداعب الأشياء بلمسة دافئة

(7)
تحمل في قلبها قلقَ الأمهات :فكلما أزداد الليل وحشة وأثقل خطوتي إلى المنزل , تقف أمامَ النافذة العالية المفتوحة والبعيدة .. فأشعر أن قمرًا سوفَ يسطعُ من هناك في أي لحظة .
وكلما استبد بيَ الحزن , تحملني صوبَ المروجِ الظليلة و الغابات الكثيفة وتقول لي : ” ما أوسع الغابة وسع الغابة قلبي

(8)
 عندما يتهادى صوتها الجنوبي , كالتراتيل /كصوت الأذان / كالموشحات / تستقيم اللغة وتتوالد أغصان الأشجار من أصابع الأرض , تستيقظ الجنائن من سباتها العميق و تتراقص الموسيقى في شرايين القلب , تغني في هدوء : “يللا تنام يللا تنام .. لادبح لك طير الحمامثمّ تمضي حارسةً أحلامنا الكبيرة كي ما يخدشها هواءٌ عابر , أو يجرحها كلامٌ مريض !

(9)
النساء لغة وهي كل اللغات

ابتسام لطفي – تغني بالدموع قبل الصوت !

11208844_836030636432842_672814222_n

ابتسام لطفي –  تغني بالدموع قبل الصوت !

ابتسام لطفي , ابنة الطائف , واحدة من عمالقة الغناء العربي , التقت طلال مداح في بداية مشوارها الفنّي , إذ باتَ مشدوهًا بهذا الصوت الأنثويّ العذب .. كانَ دائم القول بأن عملها وصوتها يدخلان القلب ويحثّان على الابتسام , ولهذا أطلق عليها اسم ” ابتسام لطفي ” , في حين أن اسمها الحقيقي ” خيرية قربان عبد الهادي ”
.
.
أماطَت اللثام و نزعت القناع الذي وضعه المجتمع السعودي على النسوة , وصعدت إلى المسرح , أضاءت قلوب الجمهور بأغانٍ من ألحانِ طلال مداح وكلمات لطفي الزيني في المراحل الأولى , وكان ذلك على مسارح الأحساء !
.
.
قبل أن تغني ما تغنّي .. كرّست وقتها للاستماع إلى ما أنتجه الفن من أغانٍ باذخة , إذ تأثّرت بـأم كلثوم , و أسمهان .. , و لم تقف طويلًا للزينة و المكياج , بل انحنت على منضدة التدريب الذاتي , ومنحت ملامح صوتها للكلمات الصعبة والجمل الموسيقية العصية على الترويض , وامتلكت الصوت الذي لا يقلد سواه ..
.
.
شقّت طريقها في مرحلة السعبينات بأغانٍ تأرجحت في ذاكرة الوجدان العربي و السعودي خاصة وتميّزت بالفلكلور  ” – لا يالخيزرانة , يا سارية خبريني , سافروا ما ودعوني ” وتألقت كثيرًا حينما التفت إليها الشاعر الكبير ” أحمد رامي ” الذي قدّم لها حقائبَ من أغانٍ عذبة ” الوداع ” و ” قصيدة لوعة ” و قد تألّق في تلحينِ الأولى : الموسيقار الكبير : رياض السنباطي , الذي  قال عنها : ” لا يلبث قلبها إلا ويدق بعد أن دقّ ، ذاكرة الطفولة والتجويد والكتاتيب ما زالت في ناظرها ، تعشق تلك الذكريات ، لأن الشمس كانت تخترق عينيها ، قبل أن تغيب تلك الإشراقة.!!. ”  …
.
.
تغنت كثيرًا لكبار الشعراء : ” إبراهيم ناجي – عبدالله الفيصل – بدر بن عبدالمحسن – طاهر زمخشري ” وكانت تلك الأغاني من ألحان : ” محمد الموجي – سراج عمر – أحمد صدقي ” ..
.
.
حلّقت كثيرًا في مرحلتي السبعينات والثمانينات رغم القصور الإعلامي في السعودية والخليج في تلكَ الحقبة , إلّا أن اسمها أصبح سارية عالية في سفائن الغناء العربي  .
.
.
وفي نهاية الثمانينات – وبعد موجة الصحوة التي استفاقت وصرخت بصوتٍ عالٍ لضرورة إيقاف الأغاني و ستر المرأة و غيرها من الأحداث … الأمر الذي جعلها توصد أبواب الغناء وتعود إلى بيتها .. !
.
.
” الألقاب ليست كُل شيء ” هكذا صرّحت ابتسام لطفي , فالغناء عندها ليس ترفًا , أو واجهة للتباهي و الظهور العلني في كُل لقاء , الغناء لديها هاجس وجودي , كي ما تعيش في الظلمة , عليها بالتصدي المضيء – للمحو والعدم  .. فلم تسع يومًا إلى النجومية , ولم تحرق ذاتها بالأغاني الهابطة التي تدرّ بآلاف الريالات .. ولم تبدد وقتها بالظهور في الحوارات والصراعات بين المطربين و الفنانين , فضلت الانزواء بعيدًا , والغناء من كلمات كبار الشعراء و ألحان العمالقة ..
.
.
بعض من أغانيها :

قصيدة لوعة ( كلمات| أحمد رامي )
وداع ( كلمات| أحمد رامي – ألحان| السنباطي )
أتحبني ؟
بعد الحبيب ( ألحان| محمد الموجي )
يا طير ماذا الصباح
عساك بخير
يا سارية خبريني
لا لا ضو القمر


* اضغط على اسم الأغنية